ماذا يحدث في الساحل الشمالي؟
وماذا حدث للفن المصري الذي كان يوما أحد أهم أسلحة مصر الناعمة؟
السؤال لم يعد ترفا، خصوصا أمام مشاهد بعض الحفلات التي تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بما تحمله أحيانا من صخب واستعراض ومظاهر مبالغ فيها، إلى جانب كلمات وأزياء ومشاهد يرى قطاع واسع من المصريين أنها لا تشبه الصورة التي عرفوا بها الفن المصري ولا تتفق مع الذوق العام.
ولست ضد الفن، ولا ضد الغناء، ولا ضد أن يرفه الناس عن أنفسهم. لكن هناك فرقا كبيرا بين الترفيه وبين أن يتحول الفن إلى سباق على الضجيج والترند وحجم الإنفاق.
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن محمد رمضان يصل بطائرة خاصة إلى مدينة رأس البر، بينما كانت أم كلثوم، بعد هزيمة يونيو 1967، تصل إلى باريس وهي تحمل معها شيئا أكبر من صوتها وشهرتها.
ذهبت أم كلثوم إلى الخارج تغني من أجل مصر، وتجمع المال للمجهود الحربي، وتخاطب وجدان المصريين والعرب، وكأنها تقول إن الهزيمة العسكرية لا تعني هزيمة الروح.
كانت تلك هي القوة الناعمة الحقيقية.
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة شهيرة، ولم يكن عبد الحليم حافظ مجرد صوت جميل، ولم يكن محمد عبد الوهاب مجرد موسيقار. كان الفن في ذلك الزمن جزءا من مشروع وطني وثقافي واسع. كانت السينما المصرية تصل إلى كل بيت عربي، وكان الكتاب المصري حاضرا، والمسرح مؤثرا، والأغنية المصرية قادرة على عبور الحدود دون تأشيرة.
أما اليوم فقد أصبح جزء من المشهد الفني محكوما بمنطق مختلف تماما.
من يثير الجدل أكثر يحقق انتشارا أكبر. ومن يصنع الترند يربح. ومن يرفع سقف الاستعراض يجذب الكاميرات. وكأن النجاح لم يعد يقاس بما يتركه الفنان في وجدان الناس، وإنما بعدد المشاهدات وحجم الحفل وسعر التذكرة.
وهنا نصل إلى الساحل الشمالي.
لا أحد يعترض على أن يستمتع الناس بأموالهم، ولا على وجود سياحة وترفيه وحفلات ومشروعات استثمارية. لكن عندما تتردد أرقام خيالية عن أسعار بعض الحفلات والتجارب الترفيهية، يصبح من حق المجتمع أن يسأل، لا بدافع الحسد، وإنما بدافع الاقتصاد والقانون والعدالة الاجتماعية.
من يدفع هذه الأموال؟
وما حجم اقتصاد الحفلات والترفيه؟
وهل كل هذه الأنشطة تخضع للرقابة الضريبية والقانونية الكاملة؟
وكم تحصل الدولة من هذا الاقتصاد؟
هذه أسئلة مشروعة لا علاقة لها بالتدخل في الحياة الخاصة لأحد.
الأخطر من المال هو الصورة التي يصنعها الفن عن المجتمع.
عندما يشاهد الشاب المصري فنانا يربط النجاح دائما بالسيارة الفارهة والطائرة الخاصة والملابس الباهظة والحفل الأكثر صخبا، فماذا نقدم له من معنى للنجاح؟
هل أصبح الحلم أن تمتلك طائرة خاصة؟
أم أن تكون صاحب موهبة حقيقية تستطيع أن تغير وجدان الناس؟
هناك فرق بين أن يكون الفنان ثريا وبين أن تصبح الثروة هي الرسالة الوحيدة التي يقدمها الفن.
ومصر ليست دولة بلا تاريخ فني حتى تستورد لنفسها نموذجا جديدا من الشهرة.
هذه هي مصر أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفاتن حمامة وعمر الشريف ويوسف شاهين وغيرهم. أسماء لم تكن تحتاج إلى طائرة خاصة كي تصل إلى العالم. كان صوت أم كلثوم وحده قادرا على عبور المحيطات.
كانت القوة الناعمة المصرية في زمن من الأزمنة تجعل العرب يتابعون لهجتنا وأغانينا وأفلامنا وكتبنا ومسرحنا.
اليوم نحن في حاجة إلى أن نسأل أنفسنا: لماذا تراجعت هذه القوة؟
المشكلة ليست في وجود فنانين جدد، ولا في تغير الزمن، ولا في اختلاف الأذواق. المشكلة في غياب المشروع.
نحتاج إلى مشروع مصري يعيد للفن دوره الثقافي، ويمنح الموهبة الحقيقية فرصة، ويضع الترفيه في مكانه الطبيعي، ويجعل صناعة الثقافة جزءا من قوة الدولة وليس مجرد موسم للحفلات.
لسنا بحاجة إلى منع الحفلات، ولكننا بحاجة إلى صناعة فن.
لسنا بحاجة إلى مهاجمة الأغنياء، ولكننا بحاجة إلى اقتصاد واضح للترفيه، يخضع للقانون والضرائب والرقابة.
لسنا بحاجة إلى محاكمة أذواق الناس، ولكننا بحاجة إلى حماية الذوق العام من أن يتحول إلى سلعة في سوق الترند.
وأخيرا لسنا بحاجة إلى إعادة أم كلثوم إلى المسرح.
نحن بحاجة إلى أن نسأل: أين أم كلثوم الجديدة؟
أين الفنان الذي يشعر أن شهرته مسؤولية؟
أين الأغنية التي تحمل معنى؟
أين السينما التي تجعل العالم يرى مصر من خلال قصتها لا من خلال أسعار حفلاتها؟
أين القوة الناعمة التي كانت تجعل المصري يشعر بالفخر عندما يسمع أغنية مصرية في باريس أو يشاهد فيلما مصريا في عاصمة عربية؟
بعد هزيمة 1967 خرجت أم كلثوم إلى العالم لتقول إن مصر لم تنكسر.
واليوم، في زمن الطائرات الخاصة والحفلات المليونية، نحتاج إلى فنانين يقولون للعالم شيئا آخر:
إن مصر ما زالت تملك ما هو أغلى من المال.
تملك الثقافة.
وتملك التاريخ.
وتملك الموهبة.
وتملك القوة الناعمة.
لكن القوة الناعمة لا تعيش على أمجاد الماضي، ولا يمكن أن تبقى أسيرة أغنية قديمة أو فيلم أبيض وأسود.
إما أن نعيد بناءها، أو نترك مكانها فارغا لمن يملؤه.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!